الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
72
مرآة الحقائق
العلم حيث يبلغ يحب أن يبلغه العلم ، كما قال تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] ؛ يعنى : حيث وصل إليه العلم ؛ وصل العمل ؛ وهو صفة الكمّل ؛ لأنهم يطيرون على جناحين ، فمن استهان بالعمل ، وقصّر فيه ؛ فلا اعتداد بعلمه ، ولو تجاوز العوالم كلها « 1 » .
--> ( 1 ) واعلموا جعلنا اللّه وإيّاكم من أهل الكشف في الوجود ، وجمع لنا بين الطرفين المعقول والمشهود أن العالم كان من كان على ثلاث مراتب عالم علمه زائد عليه إما موهوب ، وإما مكتسب ، ولهذه المسألة حكم في الإلهيات ، ولها حكم في الكون في بيانه إشاعة بشاعة ، وفي محاققته كشف ما لا ينبغي كشفه . ولكن سأبرز نبذا من تلك الأسرار إلى إخواني لأنس الغائلة مع تحقيق الفائدة بين التصريح والإلغاز والإخفاف والإغلاق واللّه المستعان . فاعلم أن العالم الذي علمه عين ذاته في الإلهيات ظاهر ، فإن علمه تعالى عين ذاته تعالى ، وأما في الكون حين شهود وحدة العالم والمعلوم ، والعلم يشهد ذلك فافهم . وأمّا العلم الموهوب ، والمكتسب بالنسبة إلى الكون فظاهر الدرك هين الخطب . قال اللّه تعالى في عبد من عباده : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] . وهو علم الإقرار . وأما العلم الكسبي كالعلوم التي هي نتائج الأفكار ، والأعمال المشروعة التي تورث العلم . قال اللّه سبحانه وتعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 282 ] . وأما هذان العلمان في الإلهيات فصعبا التصور ؛ لأنه تعالى منزّه عن ذلك ، ولكن قال اللّه تعالى عن نفسه حتى نعلم ، فأنزل نفسه في هذه الأخبار منزلة من يستفيد بذلك علما وهو سبحانه وتعالى العالم بما كان وما يكون . وقولنا : إن العلم تابع المعلوم وبحسبه ، فأعطي المعلوم من نفسه للعالم به العلم على ما هو عليه ، فكل عطاء بلا عوض فهو هبة ، فافهم ، فإن المقام ليس مقام المحاققة ، فتأدب . قال تعالى : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] . اعلم ثانيا أن المعلوم كان ما كان حقّا كان أو خلقا ما لا يعلم بغيره أصلا وليس له دليل قاطع عليه سوى نفسه ، والبصر له الشهود ، والعقل له القبول ، وهذا هو التحقيق الأتم ، والذوق الصحيح الأشمل الأعم ، وغير هذا الذوق تمويه وتمريج . فمن تطلّب معرفة الأشياء كما هي بالدلائل الخارجية الغريبة التي ليست عين المطلوب ، فمن المحال أن يحصل ذلك ، بل استسمن الورم ، ونفخ النار بلا ضرم ولا تظفر يداه إلا بالخيبة ، فلهذا نصّ أهل الحق رضي اللّه عنهم ، وأهل العقول السليمة على أن الشيء لا يدرك بما يغايره في الحقيقة ، ولا يؤثر -